ابن سبعين
396
رسائل ابن سبعين
--> حقّا فمن وراء حجاب عن حقيقتها ، وحقيقتها هي التي أجاب عنها تعالى بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ : أي اليهود عَنِ الرُّوحِ الذي هو روح البدن الإنساني ، ومبدأ حياته سألوه عن حقيقته ، فأجيبوا بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] : أي من جنس ما استأثر اللّه بعلمه من الأسرار الخفية ، التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر ، فالأمر واحد الأمور بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادي ؛ لاشتراك الكل فيه ، والمعنى أن الروح ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهرين البدنيين الذين لا يتجاوز إدراكهم عن الحس والمحسوس بالتشبيه ببعض ما شعروا به ، والتوصيف بل من عالم الأمر الإبداع الذي هو عالم الذوات المجرّدة عن الهيولى والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين ، فلا يمكنهم إدراكه أيها المحجوبون بالكون ؛ لقصور إدراككم وعلمكم ، ولذلك قيل : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » إذ لا يمكن معرفتها حق المعرفة ، وأقاويل العلماء والحكماء والصوفية كثيرة في ماهية الروح ، وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى اللّه عزّ وجلّ وهو قول أهل السنة . قال عبد اللّه بن بريده : إن اللّه لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيّا مرسلا بدليل قوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الذي استأثر به ؛ لأنها من قول : ( كن ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ [ النحل : 40 ] . واعلم أن الروح في الحقيقة روحان : روح القدس ، وروح الأكوان ، فروح القدس هو روح الأرواح ، وهو المنزه عن الدخول تحت حيطة ( كن ) ، فلا يجوز أن يقال فيه إنه مخلوق ؛ لأنه وجه خاصة من وجوه الحق ، قام الوجود بذلك الوجه ، فهو روح لا كالأرواح ؛ لأنه روح اللّه تعالى ، وهو المنفوخ فيه من آدم . وإليه الإشارة بقوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ ص : 72 ] ، فروح آدم مخلوق وروح اللّه ليس بمخلوق ، فهو روح القدس : أي أنه هو الروح المقدّس عن النقائص الكينونية ، وذلك الروح هو المعبّر عنه بالوجه الإلهي في المخلوقات . وهو المعبّر عنه في الآية بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، يعني هذا الروح المقدس الذي أقام اللّه به الوجود الكوني بوحدانيته ، تولوا بأجسامكم في المحسوسات ، أو بأفكاركم بالمعقولات فإن الروح المقدس متعين بكمال فيه ؛ لأنه عبارة عن الوجه الإلهي القائم بالوجود ، فذلك الوجه في كل شيء هو روح اللّه ، وروح الشيء نفسه ، فالوجود قائم بنفس اللّه ، ونفسه ذاته ، فتعالى اللّه عن المثل والشبيه ، أو أن يدركه بعقله نبيه . وروح الأكوان هو أن كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته ، والروح لتلك الصورة كالمعنى للفظ لا يخلو منه كون ما ، إلا إذا لم يدخل في كينونة ( كن ) ، وتلك الروح كائنة من روح القدس ، لا يصح كونها من غيره ، ولا يصح كونها منه كما قيل : رق الزجاجة ورقت الخمر * فتشابها وتشاكل الأمر فكأنها خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر فافهم ثم تتعلم ، وهو من أغرب ما يعلم أن الروح في دخولها في الجسد وحلولها فيه لا